أبو فيصل | المشاعر والافكار تغير الواقع وحقيقتها الوثنية ( الجزء الأول )

في السنوات الأخيرة، انتشرت العديد من المفاهيم والدورات التي تتحدث عن "قانون الجذب" و"قوة المشاعر والأفكار" في تغيير الواقع وجذب الرزق والصحة والسعادة.

س
•
5 دقائق
0
•

المشاعر والأفكار: بين العلم والفلسفات الباطنية – حقيقة التأثير على الواقع (الجزء الأول)

مقدمة

في السنوات الأخيرة، انتشرت العديد من المفاهيم والدورات التي تتحدث عن "قانون الجذب" و"قوة المشاعر والأفكار" في تغيير الواقع وجذب الرزق والصحة والسعادة. هذه المفاهيم، رغم انتشارها الواسع، تحمل في طياتها جذوراً فلسفية عميقة تعود إلى مدارس باطنية وغنوصية قديمة، وتُقدَّم اليوم في قوالب جديدة تحت مسميات علمية أو شرعية أو حتى منطقية. في هذا المقال، نستعرض هذه الأفكار ونكشف حقيقتها من منظور علم النفس والدين، ونوضح الفروق الجوهرية بينها وبين الفهم العلمي والشرعي للمشاعر والأفكار.

جذور فلسفة "تغيير الواقع بالمشاعر والأفكار"

من أين جاءت هذه الأفكار؟

الكثير من الفلسفات الباطنية والغنوصية القديمة، تم تطويرها وإعادة تسويقها عبر حركة العصر الجديد (New Age)، وأُدخلت إلى ممارسات التأمل واليوغا والطاقة. تم تقديمها كـ"قوانين كونية" تمنح الإنسان شعوراً بالأمان والثقة، لكنها في الحقيقة تحمل معانٍ عميقة وخطيرة تمس العقيدة والفطرة الإنسانية.

كيف يتم تسويقها؟

تُسوق هذه الفلسفات على أن المشاعر والأفكار تمتلك قوى خارقة، وأن الإنسان إذا راقب أفكاره ومشاعره يمكنه تغيير قدره وجذب الرزق أو الشفاء أو شريك الحياة. يتم ربط الحالة الشعورية بجذب الأحداث والأشخاص، ويُقال إن ترددات المشاعر العالية تجذب أحداثاً إيجابية، بينما الترددات المنخفضة تجذب السلبية.

تعريف المشاعر والأفكار: بين العلم والفلسفة الباطنية

كيف يعرف علم النفس المشاعر والأفكار؟

  • المشاعر: استجابات عصبية ونفسية داخلية، يفسرها الدماغ كرد فعل لمواقف أو أحداث معينة. هي حالات مؤقتة تتغير من لحظة لأخرى، ولا تملك إرادة أو وعياً ذاتياً، ولا تجذب أحداثاً خارجية.
  • الأفكار: عمليات ذهنية تشمل تحليل الذكريات، التوقعات، التخطيط، الحكم على الأمور، وقد تتأثر بالبيئة والتربية والمعتقدات والتجارب. الأفكار ليست قوانين كونية ولا تمتلك قوة خلق الواقع.

علم النفس لا يقدس المشاعر ولا يجرمها، بل يسعى لفهمها وتنظيمها، ويستخدم أدوات مثل العلاج السلوكي المعرفي لمساعدة الإنسان على تعديل الأفكار والسلوكيات السلبية، وتعزيز المسؤولية الشخصية.

كيف تقدم الفلسفات الباطنية المشاعر والأفكار؟

  • المشاعر: تُعتبر طاقة كونية لها ذبذبات وترددات، تؤثر على "الهالة" و"الشاكرات" وتحدد جودة الأحداث والأشخاص في حياتك.
  • الأفكار: يُقال إنها "خلاقة" تخلق الواقع، وترسل أوامر للكون، ويجب أن ترافقها "النية" والتخيل والتركيز حتى يتحقق ما تريد.

هذه المفاهيم تروج لفكرة أن الإنسان هو مركز الكون، وأن الكون كيان واعٍ يستجيب لترددات الإنسان، وأن كل ما يحدث في الخارج هو انعكاس لما في الداخل.

المخاطر الفكرية والدينية لهذه الفلسفات

1. ضرب العقيدة والتوحيد

هذه الفلسفات تفكك الولاء بين الإنسان وربه، وتزرع فكرة أن الإنسان يمكنه التحكم بالقدر والواقع بشكل مطلق، متجاهلة مشيئة الله وحكمته. كما تعيد تعريف الله بأسماء مثل "الكون" أو "المصدر" أو "الوعي الكلي"، وتضع عنده كل ما يحتاجه الإنسان من رزق وسعادة، فيتحول الولاء والتسليم من الله إلى هذه المفاهيم الجديدة.

2. إلغاء الأسباب الواقعية والحكمة الإلهية

تروج هذه الفلسفات لفكرة أن كل ما يحدث للإنسان هو انعكاس لمشاعره وأفكاره، وتلغي الأسباب الواقعية (كالاجتهاد والعمل والدعاء)، بل وتلغي الابتلاءات والحكمة الإلهية في المصائب والاختبارات.

3. تحميل الإنسان فوق طاقته

عندما يُقال للإنسان إن فشله أو مرضه أو فقره سببه مشاعره أو أفكاره السلبية، فإنه يتحول إلى ضحية دائمة لمشاعره، ويُحرم من الشعور الطبيعي بالحزن والغضب والفرح، ويعيش في حالة مراقبة ذاتية مفرطة قد تؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب وتبلد المشاعر.

4. فتح أبواب السحر والشعوذة

الإيمان المطلق بهذه الأفكار يفتح الباب لممارسات خطيرة مثل التأملات الباطنية، المانترا، طقوس الشموع، مراقبة الكواكب، تنظيف الهالة والشاكرات، وكلها ممارسات ذات جذور سحرية ووثنية.

الجذور الفلسفية الثلاثة لهذه الأفكار

  • الإنسان مركز الكون: الإنسان ليس عبداً لله، بل هو محور الكون، يرسل ويستقبل الطاقة، ويخلق واقعه بنفسه.
  • وحدة الوجود: لا يوجد فصل بين الإنسان والكون والطاقة والوعي والخالق، بل الجميع في سلة واحدة.
  • الكون كيان واعٍ: الكون ليس مخلوقاً صامتاً، بل يسمع ويستجيب ويكافئ ويعاقب بحسب ترددات الإنسان ونيته.

مقارنة بين المنهج العلمي والمنهج الباطني

النتائج النفسية والاجتماعية لهذه الفلسفات

  • اضطرابات نفسية: مراقبة المشاعر والأفكار بشكل مفرط يؤدي إلى وساوس قهرية، قلق، تبلد مشاعر، انفصال عن الذات، اكتئاب.
  • فقدان الواقعية: الإيمان بأن كل شيء انعكاس للداخل يلغي الأسباب الواقعية، ويجعل الإنسان اتكالياً متواكلاً.
  • قمع المشاعر الإنسانية: الحزن والغضب والفرح كلها مشاعر إنسانية فطرية، قمعها أو مراقبتها بشكل دائم يؤدي إلى انفجار داخلي وانهيار نفسي.
  • تغيير مفهوم العبادة: العبادة تتحول من الإيمان والعمل لله إلى طقوس داخلية وولاء وتسليم للكون أو للطاقة.

الخلاصة

المشاعر والأفكار جزء من تكوين الإنسان، لكنها ليست أدوات سحرية لتغيير الواقع أو خلق القدر. العلم والدين يؤكدان أن الإنسان مسؤول عن أفعاله، وأن الابتلاءات والنجاحات بيد الله وحكمته، وأن الأخذ بالأسباب والعمل والدعاء هو السبيل الصحيح لتحقيق الأهداف.

أما الفلسفات الباطنية التي تروج لفكرة أن المشاعر والأفكار تخلق الواقع وتغير القدر، فهي تحمل في طياتها انحرافات خطيرة عن الفطرة والعقيدة والمنطق، وتفتح أبواباً للاضطرابات النفسية والممارسات الوثنية.

فلنحذر من الانجراف وراء هذه الأفكار، ولنتمسك بالعلم الصحيح والفهم السليم للدين، ولنعلم أبناءنا وبناتنا أن المشاعر والأفكار أدوات للفهم والتخطيط، وليست قوانين كونية ولا طقوس عبودية جديدة.

انتظرونا في الجزء الثاني من هذا الموضوع، حيث سنكمل الحديث عن تأثير هذه الفلسفات على الواقع وكيفية مواجهتها علمياً وشرعياً.

اسأل سحر الطاقة

تحدث مع سحر الطاقة واحصل على إجابات لأسئلتك