🔵 فضيلة الدكتور عبدالرحمن | حوار مع مدربة طاقة
في السنوات الأخيرة انتشرت العديد من المفاهيم المرتبطة بالطاقة والروحانيات، وأصبحت موضوع نقاش واسع بين المدربين والجمهور، بل وحتى بين العلماء والدعاة.
حوار حول الطاقة والروحانيات: رؤية نقدية من منظور إسلامي
في السنوات الأخيرة انتشرت العديد من المفاهيم المرتبطة بالطاقة والروحانيات، وأصبحت موضوع نقاش واسع بين المدربين والجمهور، بل وحتى بين العلماء والدعاة. وفي هذا المقال، نستعرض حوارًا دار بين الدكتور عبد الرحمن ومدربة طاقة، حيث تم تناول قضايا جوهرية تتعلق بفهم النصوص الدينية، وحدود التأويل، وخطورة الانحرافات الفكرية في قضايا الغيب والطاقة.
1.القسم في القرآن: تعظيم أم إثبات لتأثير خفي؟
بدأ النقاش حول تفسير بعض الآيات التي أقسم الله فيها بمخلوقاته، مثل:
"والتين والزيتون"،"فلا أقسم بمواقع النجوم".
ادعت المدربة أن ذكر هذه الأشياء في القرآن دليل على وجود تأثير خفي أو طاقي لها في حياتنا. وهنا أوضح الدكتور عبد الرحمن أن القسم في اللغة العربية وفي القرآن الكريم هو أسلوب بلاغي يُستخدم للتعظيم والتنبيه على أهمية المقسم به أو الإشارة إلى آية كونية، وليس لإثبات أن لهذه الأشياء تأثيرًا خفيًا أو طاقيًا في مصائر الناس.
مثال توضيحي:لو اعتبرنا كل ما أقسم الله به في القرآن مصدرًا لطاقة أو تقنية روحية، لكان علينا اعتبار "العصر" و"الفجر" و"الضحى" و"الليل" أيضًا أدوات طاقية، وهذا غير منطقي ويدخل في باب العبث.
2.التمييز بين الأثر الطبيعي والأثر الغيبي
أشار الدكتور إلى ضرورة التفريق بين نوعين من التأثير:
- الأثر الطبيعي الحسي:مثل الضوء والحرارة والجاذبية التي تصدر عن النجوم، وهذه أمور مثبتة علميًا ولها سياقاتها المحددة.
- الأثر الغيبي القدري:مثل الادعاء بأن النجوم تؤثر في مصائر الناس أو تحدد حظوظهم، وهذا ما يسمى بالتنجيم، وهو مرفوض شرعًا وعقلاً.
الآيات التي تتحدث عن النجوم لم تذكر أبدًا أنها تتحكم في حياة البشر أو مصائرهم، بل جاءت لتعظيم خلق الله والتنبيه إلى عظمته.
3.حول حضور الله في حياتنا والعبادات
من المغالطات التي وقعت فيها المدربة قولها إن الله حاضر في حياتنا، ثم انتقادها للعبادات واعتبارها سطحية. أوضح الدكتور أن العبادة هي الطريق المنطقي والطبيعي للتواصل مع الله، وهي علاقة قائمة على الأمر والنهي والالتزام، ولا يمكن استبدالها بتقنيات أو ذبذبات روحية من اختراع البشر.
التدين المزاجيهو أن يأخذ الإنسان من الدين ما يوافق هواه ويترك ما هو ملزم، وهذا تناقض واضح.
4.موقفها من العلماء وفهم النصوص
قالت المدربة إن "كلام العلماء لا يلزمني"، وهو ما اعتبره الدكتور مغالطة كبيرة، لأن فهم النصوص الدينية يحتاج إلى لغة وقواعد وأدوات دلالية وسياقية، وكلها من علوم العلماء. رفض العلماء انتقائية: تقبل منهم ما يخدم رأيك وترفضهم عندما يقيدونك.
5.المعيار المعرفي والمنهج في الاستدلال
عند سؤالها عن معيارها المعرفي الذي تعتمد عليه للتمييز بين الدلالة البلاغية والسببية الواقعية، لم تستطع تقديم قاعدة واضحة، بل لجأت إلى عبارات عامة مثل "أؤمن بالأسرار والعلوم المخفية". هذا النمط من التفكير يؤدي إلى فوضى معرفية، حيث يصبح كل شيء قابلاً للتأويل الشخصي بلا ضوابط.
6.مغالطة "نفخة الروح" وفهم صفات الله
من أخطر ما ورد في الحوار، قول المدربة إن الإنسان فيه "نفخة من روح الله"، وأن علينا إخراج صفات الله فينا. أوضح الدكتور أن هذه الدعوى باطلة من عدة أوجه:
- إما أن يكون معنى "من روحي" أن جزءًا من ذات الله أو صفاته حلّ في الإنسان:وهذا باطل عقلاً وشرعًا، لأنه يقتضي التركيب والافتقار في ذات الله، وهو مستحيل.
- أو أن الروح مخلوقة أضافها الله لنفسه تشريفًا:وهذا هو الصحيح، مثل قول الله "بيت الله" أو "ناقة الله".
- أو أن الروح أمر من أمر الله أو مبدأ الحياة:ولا علاقة له بصفات الله الذاتية.
الاشتراك في الاسم (العلم، الرحمة) لا يعني التماثل في الحقيقة بين صفات الله وصفات الإنسان.
7.نقد المنهج الباطني والروحانيات الحديثة
أشار الدكتور إلى أن هذا النمط من التفكير يعتمد على:
- الانتقائية:أخذ ما يخدم الهوى وترك ما لا يناسب.
- التعويم الاصطلاحي:استخدام ألفاظ مثل "الطاقة" و"الذبذبات" دون تعريف دقيق.
- توظيف النصوص كتمائم شرعية:استخدام الآيات والأحاديث لإضفاء قدسية على أفكار باطنية شخصية.
- المراوغة المعرفية:التهرب من الإجابة عن الأسئلة المباشرة أو تقديم أدلة واضحة.
هذا المنهج يؤدي إلى فوضى دلالية وفقدان القدرة على التمييز بين الحق والباطل، ويحول النصوص الدينية إلى مادة لإسقاطات شخصية لا ضابط لها.
8.ضوابط فهم النصوص الشرعية
أكد الدكتور عبد الرحمن أن فهم النصوص الشرعية يجب أن يخضع لعدة ضوابط:
- تحقيق الثبوت:التأكد من صحة النص (قرآن أو سنة).
- تحقيق الدلالة:فهم النص في سياقه اللغوي والتاريخي، والرجوع إلى لسان العرب وأسباب النزول.
- جمع النصوص وعدم اقتطاعها:لا تبنى قاعدة على جزء مبتور من النص.
- التمييز بين الآية الكونية والسببية الغيبية:ليس كل ذكر لشيء في القرآن دليل على تأثيره الطاقي أو الغيبي.
- الرجوع لفهم السلف:لأنهم أقرب لزمن التنزيل وأعرف بلغة الوحي وسياقه.
9.خطورة المنهج الباطني على المجتمع
حذر الدكتور من انتشار هذه الأفكار في المجتمع، خاصة بين الشباب، لما لها من آثار سلبية على العقيدة والسلوك، وقد تؤدي إلى:
- تغيير المفاهيم الدينية الأساسية.
- الانحراف عن التوحيد.
- انتشار الشعوذة والخرافة باسم الطاقة والروح.
- تفكيك الأسر والمجتمع.
10.خلاصة ونصيحة
إن الحوار مع أصحاب الاتجاهات الباطنية والروحانية الحديثة يكشف عن جهل منهجي، واستغلال للنصوص الدينية خارج سياقها، وغياب للضوابط العلمية والشرعية في الفهم والاستدلال.لذا، من الضروري:
- التمسك بالضوابط الشرعية والعلمية في فهم النصوص.
- عدم الانسياق وراء الدعاوى الباطنية غير المنضبطة.
- الرجوع إلى العلماء الثقات وأهل الاختصاص في قضايا الدين والغيب.
- الحذر من فوضى المصطلحات والشعارات الجوفاء.
قال الله تعالى:"ولا تقف ما ليس لك به علم"وقال سبحانه:"وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون"
فلنحرص جميعًا على طلب العلم الصحيح، والالتزام بمنهجية الاستدلال، وعدم الوقوع في فخ الدجل والشعوذة مهما لبست من أثواب العلم والروحانية.