فضيلة الدكتور أيمن العنقري | مفهوم القوانين الروحانية ومكانتها لدى مروجيها )
بقلم: د. أيمن العنقري قناة: سحر اليوغا والطاقة في السنوات الأخيرة، انتشرت مفاهيم “القوانين الروحانية” بشكل واسع بين المهتمين بالتنمية الذاتية والوعي
مفهوم القوانين الروحانية ومكانتها لدى مروّجيها
بقلم: د. أيمن العنقريقناة: سحر اليوغا والطاقة
مقدمة
في السنوات الأخيرة، انتشرت مفاهيم “القوانين الروحانية” بشكل واسع بين المهتمين بالتنمية الذاتية والوعي، حتى أصبحت هذه القوانين محوراً رئيسياً في العديد من الكتب والدورات والبرامج التدريبية. فما هي هذه القوانين؟ وما مكانتها عند مروّجيها؟ وما مصادرها وأهدافها؟ هذا المقال يسلّط الضوء على هذه الأسئلة من خلال استعراض علمي موثّق من كتب الروحانيين أنفسهم.
مكانة القوانين الروحانية عند مروّجيها
يعتبر مروّجو الفلسفة الروحانية الحديثة أن القوانين الروحانية هي الخطوات العملية للوصول إلى “الروحانية المطلقة”، و”الوعي الخالص”، و”النعيم الأبدي”، و”السعادة والثروة”. فمثلاً، تقول ديانا كوبر:
“اتبع القوانين الروحانية وستخلق جنتك على الأرض.”
وتشمل هذه القوانين: قانون الجذب، قانون الوفرة، قانون التشافي، وغيرها. ويزعمون أن تطبيقها يضمن للإنسان تحقيق رغباته وسعادته، بل والتحكم في واقعه.
ديباك تشوبرا، أحد أشهر مروّجي هذه الفلسفة، يصف في مقدمة كتابه “القوانين الروحانية السبعة للنجاح” هذه القوانين بأنها المبادئ التي تستخدمها الطبيعة في استحداث كل شيء في الوجود، ويعتبر أن الإنسان في استجابة دائمة لها، سواء علم بذلك أم لم يعلم.
أما واين داير، فيؤكد في كتابه “رغبات محققة” أن تغيير الإنسان لنفسه كفيل بتغيير معاناته وألمه، وأن هذه القوانين الكونية الميتافيزيقية هي مبادئ الرفاهية وأساس العالم والوجود.
وتشدد استر هيكس في كتابها “اسأل تعطى” على خطورة الجهل بهذه القوانين، وترى أن عدم معرفتها قد يضر الإنسان، وأنها فلسفة للحياة لا تنفك عن رفاهية الإنسان وقدره.
مفهوم القوانين الروحانية
يعمد مروّجو الفلسفة الروحانية الحديثة إلى خلط القوانين الروحانية التي ابتدعوها بالقوانين الطبيعية العلمية، في محاولة لإضفاء صبغة علمية عليها. فمثلاً، ديباك تشوبرا يعرّف القوانين الروحانية بأنها “عملية يصبح بها كل مخفي ظاهراً”، ويزعم أن القوانين المادية للكون هي في حقيقتها عمليات روحانية متحركة أو وعي متحرك.
لكن عند التدقيق، نجد أن هذه القوانين ليست سوى مبادئ تتكون من مقدمات رُتّبت عليها نتائج غير منطقية، بروابط غير ظاهرة السببية، ويزعم الروحانيون أنها صحيحة ومضطردة، ويربطون بها كل نجاح أو فشل في الحياة، دون دليل شرعي أو إثبات علمي تجريبي، بل يستدلون بتجاربهم الشخصية وقصصهم فقط.
كما يستخدمون مصطلحات علمية مثل “الطاقة”، “الذبذبات”، “التردد”، و”فيزياء الكم” بمعانٍ فلسفية غيبية، في غير معانيها الأصلية عند أهل التخصصات العلمية، مما يعد تلبيساً وتضليلاً متعمداً.
أبرز أهداف القوانين الروحانية الكونية
من خلال استقراء كتب الروحانيين، يمكن تلخيص أهداف هذه القوانين فيما يلي:
- تحقيق السعادة الأبدية: يزعمون أن تعلم هذه القوانين وتطبيقها يحقق للإنسان السعادة الأبدية، وهو ادعاء يناقض النصوص الدينية التي تربط السعادة الحقيقية باتباع هدي الله.
- تحصيل الرغبات الدنيوية: مثل النجاح، الثروة، الشفاء من الأمراض، وتحقيق المطالب الدنيوية. تظهر هذه الأهداف في عناوين كتبهم مثل: “المال وقانون الجذب”، “الذات الشافية”، وغيرها.
- التحكم بالكون والسيطرة على الواقع: يدّعون أن الفكر المجرد يؤثر مباشرة في الواقع، وأن الإنسان يستطيع تشكيل واقعه وخلق الأحداث من خلال القوانين الروحانية.
- السمو الروحي وتحقيق الاستنارة: يربطون الاستنارة بالفناء عن الذات وبلوغ مرتبة الألوهية، وهي مفاهيم متأثرة بالصوفية الشرقية وعقيدة وحدة الوجود.
مصادر القوانين الروحانية
1. الفلسفات الشرقية الباطنية
- الهندوسية (البرهمية): من خلال نصوص الفيدا والأوبانيشاد، حيث نجد عقائد مثل وحدة الوجود، الكارما، وتناسخ الأرواح. ديباك تشوبرا يقتبس من الأوبانيشاد، ويعتبر الوعي الخالص هو أصل الوجود.
- الطاوية: من خلال كتاب “طاو تي تشينغ” للاوتسو، حيث يُنظر إلى “الطاوية” كسبيل خالد ليس له اسم ولا شكل، ويستشهد واين داير بحكم الطاو ويعتبر الإنسان جزءاً من الإله.
- البوذية (وخاصة بوذية زن): تؤثر في مبادئ التأمل، الاستنارة، وفكرة أن الكون هو الكتاب المقدس، وأن كل شيء في الوجود يعبر عن الإله.
2. الهرموسية (متون هرمس)
وهي فلسفة مصرية قديمة تأثرت باليونانية، وتقوم على عقيدة وحدة الوجود، التنجيم، وعبادة الكواكب. يقتبس الروحانيون من متون هرمس أفكاراً حول خلق الفكر للواقع وقانون الجذب.
أبرز القوانين الكونية الروحانية
1. قانون الجذب
يعتبرونه أعظم القوانين، ويزعمون أنه “قانون كوني أبدي عظيم”. يقوم على فكرة أن التفكير في شيء يجذب جوهره إلى حياتك، وأن الإنسان مسؤول عن كل ما يحدث له من خلال أفكاره. هذا القانون يناقض عقيدة القضاء والقدر، ويقوم على وحدة الوجود.
2. قانون النية
كتبت عنه لين ماكتغريت في عدة كتب، وتزعم أن النية الروحانية هي قوة متحدة مع الكون، وأن الأفكار المجردة يمكنها تغيير الواقع المادي من خلال التأمل والتركيز، وأن النية الجماعية أقوى من الفردية. هذا أيضاً شرك في الربوبية.
3. قانون الامتنان
كتبت فيه لويز هاي، وتعتبر الامتنان قوة شفاء تغير وتجدد الإنسان. يقوم هذا القانون على فكرة شكر الجمادات والأشياء، وإرسال طاقة إيجابية للكون ليعود ذلك عليك بالسعادة. وهو أيضاً مبني على وحدة الوجود وينسب النعم للكون لا لله.
4. قانون الوفرة
يُروّج له ديباك تشوبرا، ويزعم أن الوفرة والثروة تأتي من مصدر الطاقة الكونية، وأن الإنسان يخلق الوفرة بنفسه من خلال الاتصال بالوعي الكوني. هذا أيضاً من الشرك في الربوبية.
5. قانون التشافي
يدّعي مروّجو هذا القانون أن سبب الأمراض هو اختلال الطاقة في الجسم، وأن الشفاء يتم بموازنة الطاقة من خلال التأمل والتمارين الروحية. يربطون الشفاء بالاعتراف بألوهية النفس، ويرون أن رفض ذلك يسبب الأمراض، وهو شرك صريح في الربوبية.
نقد علمي وشرعي
جميع هذه القوانين تفتقر للدليل العلمي التجريبي، وتعتمد على تجارب شخصية وقصص لا تصلح أن تكون حجة علمية أو شرعية. كما أنها تقوم على مفاهيم شركية مثل وحدة الوجود، وتنازع الله في صفات الربوبية كالخلق والرزق والشفاء، وتنسب النعم للكون أو للإنسان نفسه.
قال تعالى:
“ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى” (طه: 124)
وأيضاً:
“وإذا مرضت فهو يشفين” (الشعراء: 80)
خلاصة
القوانين الروحانية التي يروّج لها في الفلسفة الروحانية الحديثة ليست سوى خليط من الفلسفات الشرقية الباطنية، والهرموسية القديمة، مع تلبيس علمي ومفاهيم شركية. لا تستند إلى دليل علمي أو شرعي، بل تعتمد على تجارب وقصص شخصية، وتقوم على أفكار خطيرة في العقيدة والسلوك.
على المتعلم والباحث أن يكون واعياً بمصادر هذه المفاهيم، وأن يتحرّى الدليل العلمي والشرعي، وألا ينخدع بالبريق الزائف لمثل هذه الدعوات.
المصادر:- كتب ديباك تشوبرا، واين داير، استر هيكس، لين ماكتغريت، لويز هاي، متون هرمس، وغيرها من كتب الفلسفة الروحانية الحديثة.